مناقشة ادعاء نسخ آية: (واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم...)
تأليف سماحة آية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي - عدد القراءات: 7721 - نشر في: 09-ابريل-2007م

مناقشة ادعاء نسخ آية: (واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم...)

 

" واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا"(1).

 

واللذان يأتيانها منكم فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما إن الله كان توابا رحيما"(2).

 

فذهب بعضهم، ومنهم عكرمة وعبادة بن الصامت في رواية الحسن عن الرقاشي عنه أن الاية الاولى منسوخة بالثانية والثانية منسوخة في البكر من الرجال والنساء إذا زنى بأن يجلد مائة جلدة، وينفى عاما، وفي الثيب منهما أن يجلد مائة، ويرجم حتى يموت، وذهب بعضهم كقتادة ومحمد بن جابر إلى أن الاية الاولى مخصوصة بالثيب والثانية بالبكر، وقد نسخت كلتاهما بحكم الجلد والرجم، وذهب ابن عباس ومجاهد ومن تبعهما، كأبي جعفر النحاس إلى أن الاية الاولى مختصة بزناء النساء من ثيب أو بكر، والاية الثانية مختصة بزناء الرجال ثيبا كان أو بكرا، وقد نسخت كلتاهما بحكم الرجم والجلد وكيف كان فقد ذكر أبو بكر الجصاص أن الامة لم تختلف في نسخ هذين الحكمين عن الزانيين والحق: أنه لا نسخ في الايتين جميعا، وبيان ذلك: أن المراد من لفظ الفاحشة ما تزايد قبحه وتفاحش، وذلك قد يكون بين امرأتين فيكون مساحقة وقد يكون بين ذكرين فيكون لواطا، وقد يكون بين ذكر وأنثى فيكون زنى، ولا ظهور للفظ الفاحشة في خصوص الزنا لا وضعا ولا انصرافا، ثم ان الالتزام بالنسخ في الاية الاولى يتوقف.

 

أولا: على أن الامساك في البيوت حد لارتكاب الفاحشة.

 

ثانيا: على أن يكون المراد من جعل السبيل هو ثبوت الرجم والجلد وكلا هذين الامرين لا يمكن إثباته، فإن الظاهر من الاية المباركة أن إمساك المرأة في البيت إنما هو لتعجيزها عن ارتكاب الفاحشة مرة ثانية، وهذا من قبيل دفع المنكر، وقد ثبت وجوبه بلا إشكال في الامور المهمة كالاعراض، والنفوس، والامور الخطيرة، بل في مطلق المنكرات على قول بعض، كما أن الظاهر من جعل السبيل للمرأة التي ارتكبت الفاحشة هو جعل طريق لها تتخلص به من العذاب، فكيف يكون منه الجلد والرجم، وهل ترضى المرأة العاقلة الممسكة في البيت مرفهة الحال أن ترجم وتجلد، وكيف يكون الجلد أو الرجم سبيلا لها وإذا كان ذلك سبيلا لها فما هو السبيل عليها؟!.

 

وعلى ما تقدم: فقد يكون المراد من الفاحشة خصوص المساحقة، كما أن المراد بها في الاية الثانية خصوص اللواط، " وسنبين ذلك إن شاء الله تعالى "، وقد يكون المراد منها ما هو أعم من المساحقة والزنا، وعلى كلا هذين الاحتمالين يكون الحكم وجوب إمساك المرأة التي ارتكبت الفاحشة في البيت حتى يفرج الله عنها، فيجيز لها الخروج إما للتوبة الصادقة التي يؤمن معها من ارتكاب الفاحشة مرة ثانية، وإما لسقوط المرأة عن قابلية ارتكاب الفاحشة لكبر سنها ونحوه، وإما بميلها إلى الزواج وتزوجها برجل يتحفظ عليها، وإما بغير ذلك من الاسباب التي يؤمن معها من ارتكاب الفاحشة.

 

وهذا الحكم باق مستمر، وأما الجلد أو الرجم فهو حكم آخر شرع لتأديب مرتكبي الفاحشة، وهو أجنبي عن الحكم الاول، فلا معنى لكونه ناسخا له.

 

وبتعبير آخر: أن الحكم الاول شرع للتحفظ عن الوقوع في الفاحشة مرة أخرى، والحكم الثاني شرع للتأديب على الجريمة الاولى، وصونا لباقي النساء عن ارتكاب مثلها فلا تنافي بين الحكمين لينسخ الاول بالثاني.

 

نعم إذا ماتت المرأة بالرجم أو الجلد ارتفع وجوب الامساك في البيت لحصول غايته، وفيما سوى ذلك فالحكم باق ما لم يجعل الله لها سبيلا.

 

وجملة القول: إن المتأمل في معنى الاية لا يجد فيها ما يوهم النسخ، سواء في ذلك تأخر آية الجلد عنها وتقدمها عليها.

 

وأما القول بالنسخ في الاية الثانية فهو أيضا يتوقف: أولا: على أن يراد من الضمير في قوله تعالى " يأتيانها " الزنا.

 

ثالثا: على أن يراد بالايذاء الشتم والسب والتعيير ونحو ذلك، وكلا هذين الامرين - مع أنه لا دليل عليه - مناف لظهور الاية.

 

وبيان ذلك: أن ضمير الجمع المخاطب قد ذكر في الايتين ثلاث مرات، ولا ريب أن المراد بالثالث منها هو المراد بالاولين.

 

ومن البين أن المراد بهما خصوص الرجال، وعلى هذا فيكون المراد من الموصول رجلين من الرجال، ولا يراد منه ما يعم رجلا وامرأة، على أن تثنية الضمير لو لم يرد منه الرجلان فليس لها وجه صحيح، وكان الاولى أن يعبر عنه بصيغة الجمع، كما كان التعبير في الاية السابقة كذلك.

 

وفي هذا دلالة قوية على أن المراد من الفاحشة في الاية الثانية هو خصوص اللواط لا خصوص الزنا، ولا ما هو أعم منه ومن اللواط وإذا تم ذلك كان موضوع الاية أجنبيا عن موضوع آية الجلد.

 

وإذا سلمنا دخول الزاني في موضوع الحكم في الاية، فلا دليل على إرادة نوع خاص من الايذاء الذي أمر به في الاية، عدا ما روي عن ابن عباس أنه التعيير وضرب النعال، وهو ليس بحجة ليثبت به النسخ، فالظاهر حمل اللفظ على ظاهره، ثم تقييده بآية الجلد، أو بحكم الرجم الذي ثبت بالسنة القطعية.

 

 وجملة القول: أنه لا موجب للالتزام بالنسخ في الايتين، غير التقليد المحض، أو الاعتماد على أخبار الاحاد التي لا تفيد علما ولا عملا.

 

المصدر:

البيان في تفسير القرآن، لزعيم الحوزة العلمية: سماحة آية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي.



1- النساء/ 15

2- النساء/ 16

المـكـتـبـــة المسـمـوعــــة
المـكـتـبـــة المـرئــيــــة

تنويه: آراءُ الكُتَّاب والمؤلّفين ومنقولاتُهم لا تُعبِّر بالضّرورة عن رأي حوزة الهدى للدّراسات الإسلاميّة

عداد الزوار
46830987

مواقع تابعة


إصداراتنا المعروضة للبيع


© 2007-2015 حوزة الهدى للدراسات الإسلامية